الشوكاني
263
فتح القدير
لما طلبوه من الآيات إلا لعدم المصلحة في استئصالهم إن لم يؤمنوا بها . قال أكثر المفسرين : الآيات التسع : هي الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والعصا ، واليد ، والسنين ، ونقص الثمرات . وجعل الحسن مكان السنين ونقص الثمرات البحر والجبل . وقال محمد بن كعب القرظي : هي الخمس التي في الأعراف ، والبحر ، والعصا ، والحجر ، والطمس على أموالهم . وقد تقدم الكلام على هذه الآيات مستوفى ، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في تعداد هذه الآيات التسع ( فاسأل بني إسرائيل ) قرأ ابن عباس وابن نهيك فسأل على الخبر : أي سأل موسى فرعون أن يخلي بني إسرائيل ويطلق سبيلهم ويرسلهم معه ، وقرأ الآخرون " فاسأل " على الأمر : أي سلهم يا محمد حين ( جاءهم ) موسى ، والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان ، لأن الأدلة إذا تظافرت كان ذلك أقوى والمسئولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه ( فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا ) الفاء هي الفصيحة : أي فأظهر موسى عند فرعون ما آتيناه من الآيات البينات وبلغه ما أرسل به فقال له فرعون . والمسحور : الذي سحر فخولط عقله . وقال أبو عبيدة والفراء : هو بمعنى الساحر ، فوضع المفعول موضع الفاعل ، ف ( قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء ) يعني الآيات التي أظهرها ، وأنزل بمعنى أوجد ( إلا رب السماوات والأرض بصائر ) أي دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته ، وانتصاب بصائر على الحال . قرأ الكسائي بضم التاء من علمت على أنها لموسى ، وروى ذلك عن علي ، وقرأ الباقون بفتحها على الخطاب لفرعون . ووجه القراءة الأولى أن فرعون لم يعلم ذلك ، وإنما علمه موسى . ووجه قراءة الجمهور أن فرعون كان عالما بذلك كما قال تعالى - وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا - قال أبو عبيد : المأخوذ به عندنا فتح التاء ، وهو الأصح للمعنى ، لأن موسى لا يقول علمت أنا وهو الداعي ، وروى نحو هذا عن الزجاج ( وإني لأظنك يا فرعون مثبورا ) الظن هنا بمعنى اليقين ، والثبور الهلاك والخسران . قال الكميت : ورأت قضاعة في الأيا * من رأى مثبور وثابر أي مخسور وخاسر ، وقيل المثبور الملعون ، ومنه قول الشاعر : يا قومنا لا تروموا حزينا سفها * إن السفاه وإن البغي مثبور أي ملعون ، وقيل المثبور ناقص العقل ، وقيل هو الممنوع من الخير ، يقال ما ثبرك عن كذا : ما منعك منه ، حكاه أهل اللغة ، وقيل المسحور ( فأراد أن يستفزهم من الأرض ) أي أراد فرعون أن يخرج بني إسرائيل وموسى ويزعجهم من الأرض ، يعني أرض مصر بإيعادهم عنها ، وقيل أراد أن يقتلهم وعلى هذا يراد بالأرض مطلق الأرض . وقد تقدم قريبا معنى الاستفزاز ( فأغرقناه ومن معه جميعا ) فوقع عليه وعليهم الهلاك بالغرق ، ولم يبق منهم أحدا ( وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ) أي من بعد إغراقه ومن معه ، والمراد بالأرض هنا : أرض مصر التي أراد أن يستفزهم منها ( فإذا جاء وعد الآخرة ) أي الدار الآخرة وهو القيامة ، أو الكرة الآخرة ، أو الساعة الآخرة ( جئنا بكم لفيفا ) قال الجوهري : اللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى ، يقال جاء القوم بلفهم ولفيفهم : أي بأخلاطهم ، فالمراد هنا جئنا بكم من قبوركم مختلطين من كل موضع ، قد اختلط المؤمن بالكافر . قال الأصمعي : اللفيف جمع وليس له واحد ، وهو مثل الجمع ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) الضمير يرجع إلى القرآن . ومعنى ( بالحق أنزلناه ) أوحيناه متلبسا بالحق ومعنى ( وبالحق نزل ) أنه نزل وفيه الحق ، وقيل الباقي وبالحق الأول بمعنى مع : أي مع الحق أنزلناه كقولهم ركب الأمير بسيفه : أي مع سيفه ، وبالحق نزل : أي بمحمد كما تقول نزلت يزيد . وقال أبو علي الفارسي : الباء في الموضعين بمعنى مع ، وقيل يجوز أن